مغامراتي في معهد المعارف

منذ أربع سنواتٍ (حوالي عام 2013م) وفي مثل هذا الوقت، كنت أتحضر ﻷداء امتحانات الثانوية العامة، والتي ستكون بمثابة بوابتي لدخول عالمٍ جديدٍ، لم أكن أعلم عنه غير ما سمعته من الناس، إما ممن لا يزالوا يخوضون في غمرِهِ، أو أنهوا مسيرتهم به؛ ألا وهو: الدراسة الأكاديمية (الجامعية). فجاءت الامتحانات وبذل كل طالبٍ ما بوسعه، إما من دراسةٍ أو غشٍ. في تلك الأثناء، عملت أقصى ما في وسعي لتجاوز هذه الفترة. طبعًا كنت مستهترًا بعض الشيء بحجة أنني يجب أن أكون هادئ البال. فانجلت فترة الامتحانات؛ إلا أن الرياح تأتي بما لا تشته السفنُ، فكانت النتيجة سيئة عكس ما توقعت! شعرت حينها بأسى وحسرة على كل ما بذلت من وقتٍ ومجهودٍ في سبيل الحصول على أعلى درجاتٍ ممكنةٍ.

وجاء الوقت المُنتَظَر لزيارة موقع تنسيق الثانوية العامة للالتحاق بإحدى الجامعات لدخول أي كليةٍ أختار. حينها -صراحةً- لم أكن أبالي بأي شيءٍ، فلن يأتِ أسوءُ مما قد مضى! لقد بذلت ما في استطاعتي ﻷحصل على أكبر درجة ممكنة، ثم انهار كل شيءٍ، فما الفائدة من الدراسة مرة أخرى؟ أحتى يصيبني الإحباط وخيبة اﻷمل مجدَّدًا؟! أخذت أتصفح الموقع التنسيق وأقرأ عن كلية هنا وأخرى هناك، إلى أن وقعت عيني على اسمٍ لم أعهده من قبل، ألا وهو: معهد المعارف العالي للغات والترجمة.

بحثت عن معلوماتٍ عن هذا المكان، فأعجبني. إلا أنني ترددت -مثل أي شخص- في الالتحاق به بسبب كلمة معهد والتي يَنظُر إليها الناس في مجتمعنا على أنها كلمة قليلة الشأن، ليست مثل: جامعة، أو أكاديمية حتى! إلا أنني سجلت للالتحاق بها تاركًا كلام الناس -الذي لا طائل منه- جانبًا. وبدأت الدراسة في يوم الاثنين السابع من أكتوبر 2013م -على ما أتذكر-، فكانت هذه بداية رحلتي، لا، بل مغامرتي الأكاديمية بمعهد المعارف.

بحسب ما سمعت من أشخاصٍ عدة عن هذا المكان، فقد كان ڤيلا أو قصرًا، إلا أن مالك هذا المكان آثر تحويله إلى دار علمٍ معنيّ بدراسة الإنجليزية أدبًا ولُغةً، بالإضافة إلى دراسة الترجمة من العربية إلى الإنجليزية والعكس. وبعد أن يكمل الطالب دراسته بالمعهد، يحصل على شهادة معادِلة لشهادة كلتيَّ الآداب والألسن، مُوَقَّعٌ عليها بيد معالي وزير التعليم العالي.

في أول يومٍ دراسي لي، وأنا في طريقي إلى المعهد، ولم أكن كنت قد استخدمت مترو الأنفاق في التنقل من قبل، وحتى إن فعلت، كان يرافقني أحدهم فكنت لا أشغل بالي بالتفاصيل طالما هناك من يعرف الطريق، وجَتُّ شابًا يحمل دفتر محاضرات شبيه بما أحمل فخمنت أنه طالبٌ جامعي وذهبت لأسأله عن كيفية الوصول إلى معهدي. من حسن حظِّي أن خط سيره كان نفس خط سيري، فركبنا معًا وكانت هذه فرصة جيدة حتى أسئله عن ماهية الحياة الجامعية وعن أول يوم دراسي، كان هذا الشاب (الذي لم يسأل أحدنا الأخر عن اسمه) طالبًا بالفرقة الثانية آنذاك بجامعة عين شمس، كلية الألسن، وأخذ يحدثني عن جدول محاضراته وعمَّا يدرس، وطبعًا ذُهلت حين وجدت أنه يدرس ما أنا مُشرِعٌ في دراسته اليوم. فقد كان جدوله مطابق لجدولي!! وهذا أعطاني ثقة أكبر بالمكان الذي التحقت به.

بدأت الدراسة، ودخلت المعهد بأول يومٍ دراسي وأنا في قمة القلق وقليلٌ من الخوف، فمن الطبيعي أن أقلق لأنني لم أخض مثل هذه التجربة من قبل، أما عن الخوف، فقد كانت هناك أخبارٌ عن تفجيرات ومظاهرات غير سلمية ببعض الجامعات. إلا أنني هدَّأت من روعي قدر الإمكان حتى لا ألفت الأنظار لي. وبدأت أول محاضرة لنا في تمام الساعة التاسعة ونصف، وكانت محاضرة “علم الصوتيات – The Phonetics”. ثم تلاها محاضرة “الشعر والنقد – Poetry and Criticism”. وبعدها انتهى أول يومٍ دراسي لي، وعدت بيتي حامدًا الله على سلامتي.

مما كان يميز معهد المعارف:

  • السهولة في الوصول: فقد كان في موقعٍ متميز، مما يضمن للطلاب الراحة البدنية أثناء الوصول إلى المعهد، بدلًا من التنقل من مواصلةٍ لأخرى وضياع الوقت في وسائل المواصلات. طبعًا هذا الكلام لا ينطبق على سكان الأقاليم ممن يأتون من مدنٍ ومحافظاتٍ مختلفة.
  • الأمن والأمان: كما ذكرت آنفًا، فقد كانت هناك موجة من أحداث العنف تعتري الجامعات المصرية، أما عن هذا المكان، فقد قضيت به أربعة أعوامٍ دون أن أشهد حادثة واحدة. أذكر أنه في أول عامٍ دخل أحد المسؤولين مذيعًا علينا تعليماتٍ بعدم الخوض في نقاشات دينية أو سياسية أو أي نقاش يتسبب في نشوب خلافٍ أو صراعٍ بيننا، كما كان يلتزم المعهد بغلق جميع الأبواب في حال حدوث حادثٍ ما خارج أسواره ضمانًا لسلامة الطلاب.
  • أعضاء هيئة التدريس: خلال السنوات الأربعة، تعرفت على نخبة كبيرة من الأساتذة الأفاضل الذين تشرفتُ بتلقِّي العلم على أيديهم. لن أتحدث عن هذه النقطة الآن لأنني سأتناولها باستفاضةٍ بعد قليل.
  • رفقاء الدرب الطويل: قبل التحاقي بهذا المعهد كنت شخصًا غير اجتماعيًا، لا أحب الاختلاط بالناس، مُفَضِّلًا العزلة والهدوء. لكن دوام الحال من المحال، بدأ بعض الأشخاص الاحتكاك بي بغرض التعارف والصداقة، أو للحصول على محاضراتٍ، أو للاستفسار عن شيء ما في معهدنا المتواضع. ولا أُخفي أنني أيضًا كنت احتكُّ بالبعض لأغراضٍ مثل: المنافسة، كما قلت أنني صرفت النظر عن الدراسة بعد ما حل بي من يأسٍ بعد الثانوية العامة، إلا أنني كنت أتحدى بعض الطلاب المتفوقين محاولًا إثبات نفسي أمامهم والتفوق عليهم، وبمرور الوقت أصبحنا أصدقاء (أعتذر عن عدم ذِكر اسم أحدٍ منهم حتى لا أذكر أحدًا وأنسى الأخر). ولم أكن أمانع في التعرف على أحدٍ ما حتى لا يقُل أحدهم عني أنني منعزل أو مريض أو متعالٍ لا أحب التعامل مع أحدٍ أو أنطوائي، لكن -والحمد لله- كل هذه الألقاب وأكثر لحقت بي حتى وأنا بين الناس.
  • منطقة تِجارية: يقع معهد المعارف وسط مجموعة كبيرة من المحال والحوانيت لكل شيءٍ تقريبًا، وهذه كانت ميزة جيدة، خاصةً أني شخص لا أحب الحركة، إذ لم أكن أكلف نفسي عناء المشي لأذهب إلى مكانٍ ما إلا إن اضطررت لذلك، أو أردت تجربة شيءٍ مختلف، فالجميع حولي، من مكاتب ومطابع ومطاعم ودكاكين البقالة، وحتى مترو الأنفاق لم يكن على مسافة بعيدة من باب المعهد.

ولكي أكون عادلًا فيما أقول، فللمكان أيضًا بعض السلبيات، أذكر منها:

  • أصدقاء السوء: كما ضم المكان العديد من الأصدقاء الجيدين، كذلك لم يخلو أيضًا من أصدقاء السوء، وهذه سُنَّة الحياة أن تلتقي بمثل هؤلاء أينما ذهبت، فكثيرًا ما كان هناك من يرغبون بوصلك لأجل مصلحةٍ ما، أو هؤلاء الذين يحقدون عليك ولا يتمنون لك الخير، ويجدون متعتهم في رؤيتك وأنتَ في مشكلة أو موقف محرج! هذا بجانب المنافقين والذين يتظاهرون أمامك بأنهم خير صديقٍ لك، لكنك لا تدري بما تضمه صدورهم من جهتك. لكن أحمد الله أن مثل هؤلاء كانوا أقلية، فلم يكن وجودهم يعكر من صفو أحدٍ إلا من أشغل تفكيره بهم.
  • تدهور في الآونة الأخيرة: بسبب بعض أعمال الصيانة، تدهورت الأحوال في السنة الأخيرة لي بالمعهد، فمثلًا:
    • أُغلِقت العديد من قاعات التدريس وحتى المكتبة، ونُقِلت المكاتب الإدارية إلى مبنًى أخر، فقد انكمش حجم المعهد بشكلٍ كبير.
    • عدم قبول دفعة جديدة هذا العام بسبب عدم توفر أماكن للطلاب بعد هذا الانكماش الفظيع.
    • الضوضاء العالية الناتجة عن صوت الآلات، وطرْق العمال، ونداء بعضهم على بعضٍ؛ مما قد تسبب في توقُّف المحاضر لأكثر من مرة عن إكمال المحاضرة حتى تهدأ الضوضاء ليعاود الشرح، وكنا نستغرق وقتًا أطول من اللازم في نقطة واحدة. هذا بجانب عدم القدرة على التركيز أثناء أداء بعض الامتحانات بسبب هذه الأصوات المزعجة.

خلال هذه الأعوام الأربعة درسنا العديد من المواد، منها ما كان يتحدث عن علوم اللغة، أو أدب اللغة، ودراسة اللغة نفسها، فأذكر من تلك المواد:

  • الصوتيات واللغويات: من المواد الرائعة التي طالما أحببت؛ في العام الأول والثاني يدرس الطلاب الأصوات الإنجليزية، وكيف تُنطق الكلمات على ألسن أصحاب تلك اللغة، هذا بالإضافة إلى دراسة قواعد اللغة Grammar. أما في العام الثالث والرابع، فندرس العلوم اللغوية والظواهر اللغوية، مثل: كيفية اكتساب اللغة، وطُرُق تعلُّم وتعليم اللغات، والصعوبات التي تواجه من يحاولون تعلُّم اللغات..
  • المقال والمحادثة: يتعلم الطلاب في تلك المادة كيفية كتابة مقالٍ وفقًا للخطوات المتبعة في أسلوب كتابة المقالة الإنجليزية. هذا بجانب جزء المحادثة، حيث يتخيل الطالب نفسه في موقفٍ معين وعليه إجراء حوارٍ مع طرفٍ أخرَ بخصوص هذا الموقف. بقدر ما كنت متفوقًا في هذه المادة، بقدر ما كنت أشعر بمللٍ بسبب أن جزء المحادثة كان يُجرى تحريريًا،(أي: بالورقة والقلم) وليس بممارسة التحدث مع بعضنا البعض أو مع المحاضرين. هذه المادة مادة ممتدة، ندرسها على مدار الأربعة أعوام، في كلا الفصلين الدراسيين First and second terms.
  • الترجمة: مادة ممتدة أخرى، نتعلم فيها أساليب وأنواع الترجمة المختلفة، وكيف تكون الترجمة السليمة، وكيف نستخدم القواميس والمعاجم في الترجمة. وغيرها من الأساليب والمهارات التي يتعين على المترجم لإلمام بها. يدرس الطلاب فيها الترجمة العامة (الترجمة التي لا نحتاج فيها إلى قواميس متخصصة في مجالٍ معين)، وفيما بعد نتدرب على بعض المجالات، مثل الترجمة الأدبية، والصحافية، وغيرها.
  • القصة والنثر: وهي مادة ظريفة، ندرس فيها الروايات الإنجليزية المختلفة، ونتناولها بشكل نقدي. تُدَرَّس هذه المادة في الفصل الدراسي الأول فقط، على مدار الأربعة أعوام.
  • الشِّعر والنقد: نتعلم في هذه المادة ماهية الشعر الإنجليزي، وكيفية بناء القصيدة، والبلاغة الإنجليزية؛ مع أمثلة على أشهر الشعراء الإنجليز وأشهر قصائدهم. وهذه المادة أيضًا تُدرَّس في الفصل الدراسي الأول فقط على مدار الأربعة أعوام.
  • اللغة العربية: المترجم المتميز هو من يلم بكلا اللغتين، اللغة الأم واللغة الأجنبية. لذى، كان من الضروري أن ندرس علم النحو، وعلم اللغة العربي، هذا بالإضافة إلى بعض الأعمال الأدبية. وهي مادة ممتدة.
  • اللغة الفرنسية: تُدرَّس فيها مبادئ اللغة الفرنسية، وأساسياتها، وأهم القواعد. تُدَرَّس هذه المادة خلال الأربعة أعوام، في فصلٍ دراسيٍّ واحدٍ، يختلف كل عام. مشكلة هذه المادة أن الكثير من الطلاب لم يدرس الفرنسية من قبل فكان من الصعب التعايش معها، بل وكانت كابوس للبعض، إلَّا أنها -وبكل أسف- لغة إجبارية علينا دراستها وتجاوز امتحاناتها.
  • دراما وشيكسبير: مادة شبيهة بـ(القصة والنثر) لكن هذه المرة هي دراسة للمسرح الإنجليزي، وبالأخص، مسرحيات الكاتب الإنجليزي الشهير William Shakespeare، هذا بجانب أدباء آخرون. ندرس هذه المادة خلال الأربعة أعوام، بالفصل الدراسي الثاني.
  • الحضارة: تبدأ دراسة هذه المادة للفرقة الثانية بالفصل الدراسي الثاني، وتعني هذه المادة بدراسة الحضارة الأوروبية عامةً، والبريطانية خاصةً من عدة جوانب، مثل الجوانب السياسية والأدبية والحضارية، إلخ…
  • البيئة والسكان وحقوق الإنسان: هذه المادة لا تمت لعلم اللغة ولا لآدابها بِصِلةٍ، فهي مادة تهتم بدراسة الحالة السكانية لمصر، والمشاكل التي يواجهها السكان، والحلول المُقترحة لحل هذه المشاكل. تُدَرَّس هذه المادة خلال السنة الثالثة، بالفصل الدراسي الثاني.
  • قاعة البحث: للأسف، درسنا هذه المادة بالفرقة الرابعة، لمدة فصل دراسي واحد، الفصل الدراسي الأول، علمًا بأنه من مهم إن ندرسها مذ عامنا الأول. نتعلم في هذه المادة الطريقة الصحيحة لإعداد بحثٍ أو دراسةٍ ما، وكيفية اختيار الموضوع، وكيفية تنقيح البحث من الأخطاء، وكيفية تنسيق البحث، إلى أخره من الأمور التي يتعين على الباحث الأكاديمي الإلمام بها.

وبعدما ذكرنا هذه القائمة المطولة من المواد، ماذا عن المحاضرين؟؟ شخصيًّا، أعتبر نفسي محظوظًا لأنني تعلمت على يد نخبة من الأساتذة الأفاضل الذين غمروني بمعرفتهم ولم يبخلوا عليَّ بما منحهم الله من علمٍ. وهُم:

  • د/ شيرين جرجس: أستاذ الصوتيات واللغويات، والترجمة. تشَرَّفْتُ بإني درست عليَّ يديها علم الصوتيات، كما كانت السبب الرئيسي في حُبِّي للإنجليزية البريطانية. كُنت كثيرًا ما أزعجها في وقت راحتها لأسألها عن بعض الأمور التي تعثر عليَّ فهمها أو لأطلب رأيها في شيءٍ ما، وكانت لا تمانع، علمًا بأني كنت أقتطع هذا الوقت من وقت راحتها فكانت لا تهنئ براحة بسبب كثرة إزعاجي لها! بعد العام الثاني لنا، تركتنا هذه الفاضلة ولم تكمل معنا مسيرتنا التعليمية حتى عامنا الرابع لظروفٍ صحيةٍ، فأشعرنا ذلك بحزنٍ شديدٍ.
  • د/ صلاح النفيلي: أعتبر هذا الرجل موسوعة في الشِّعر والأدب الإنجليزي، فكنت استمتع بسماع إلقاءه للشعر ونقده، على الرغم من طلباته الغريبة بعد المحاضرة، مثل إحضار باقات من الورود والزهور التي ذُكِرَت في القصيدة، أو إعطاء البعض حفنة من البذور ويطلب منه زراعتها بالمنزل، أو رسم أو تصوير بعض الحيوانات والصور الطبيعية التي وردت بأحد القصائد!! درَّس لنا هذا الفاضل خلال العام الأول والثالث فقط، إلا أن أحواله الصحية تدهورت فلم يستطع الإكمال معنا!!
  • د/ أشرف بولس: على الرغم من أن البعض قد يفاجئ بذلك، لكني أكن لهذا الرجل بجزيل الاحترام والتقدير على ما علمنا إياه، على مساعدته الدائمة للطلاب حتى يتجاوزوا صعاب المواد التي يدرسونها، فقد درَّس لنا: “الشِّعر والنقد” في عامنا الثاني والرابع، و”القصة والنثر” في الأعوام الأول والثاني، و”الحضارة” بالعام الأول والثاني، و”الدراما وشيكسبير” في العام الأول والثاني والرابع.
  • د/ أمل إبراهيم: كان من المفترض أن يُدَرِّس لنا د/ صلاح النفيلي مادة “الدراما وشيكسبير” خلال العام الثالث، إلا أن ظروفه الصحية -كما ذكرنا- تدهورت فحل محله أخر، وكانت د/ أمل إبراهيم، كانت في منتهى الذوق والاحترام في تعاملها مع طلابها، كانت تشجعنا على استخدام الإنجليزية في المحاضرة حتى وإن احتفى كلامنا كله بالأخطاء، كما كانت تستخدم أكثر من طريقة في الشرح ليصل المعنى إلى كل الطلاب بقدر الإمكان. لم تمكث معنا أكثر من فصل دراسي واحد للأسف، إلا أنها أثرت فينا بشكل كبير.
  • د/ آيات الله أحمد: أستاذ اللغة الفرنسية بمعهد المعارف، كانت دومًا تحُثُّنا على الاهتمام بهذه اللغة وحبها، كما كانت دومًا تسعى لتبسيط المعلومات للطلاب حتى لا يتعثر عليهم فهم شيءٍ في النهج الدراسي.
  • د/ عبد الوهاب صابر: أستاذ اللغة العربية الذي درَّس لنا في عامنا الأول، كان له أسلوبٌ جيدٌ في الشرح وإيصال المعلومة. كثيرًا ما كان يتطرق إلى الحديث في مواضيع سياسية، إلا أنه كان يقول: ”الواحد لو ما قالش الكلمتين دول ممكن يجراله حاجة“. تركنا -للأسف- بعد نهاية العام الأول، وحل محاله أخَر.
  • د/ إبراهيم محمد إبراهيم: أستاذ اللغة العربية في عامنا الثاني، كان شخصًا طيبًا حقًا، وخفيف الظل، يهتم في المقام الأول بتطبيق القوانين. أعترف أنه لم يكن كوفئٌ في الشرح لسببٍ ما، لكنه ذو شخصية طيبةٍ وعلمٌ كبير. لم نعاشره سوى لعامٍ واحدٍ، لذى، لم نفهمه بما يكفي.
  • د/ طلعت خليل: أستاذ اللغة العربية خلال عامنا الثالث. شخصٌ خفيف الظل ورائعُ الأسلوبِ في الشرح، بسيط في حديثه وأسلوبهِ. تعلمنا منه الكثير في اللغة العربية، وكان يطمح في أن يغمرنا بكثيره إلا أنه فارقنا بعد العام الثالث. شهِد له الكثيرون بأنهم لم يفهموا النحو إلا على يديه.
  • د/ جمال عبد الفتاح: قد تجد أن تغيير أعضاء هيئة التدريس شيءٌ ليس بجيدٍ، لكنني كنت أجدها فرصة جيدة للإطلاع على أساليب الشرح المختلفة. وكالعادة، أستاذ لغة عربية جديد، ألا وهو د/ جمال أحمد عبد الفتاح. رجلٌ هادئ، بسيط في كلامه، كثير المعلومات في شرحه، ورائعٌ في أسلوبه، محترمٌ في تعامله مع طلابه. درَّس لنا “العربية” خلال عامنا الرابع.
  • د/ جودة كمال: لا يخدعنك صِغَر السن، لقد كان فعليًا شعلة من النشاط، يؤمن بأن الطالب لا يتعلم بالحفظ والتلقين، بل هناك طُرُقٌ أكثر فاعليةً يتعلم بها طلاب هذا الجيل، لذى، كان الإقبال على حضور محاضراته يفوق أي محاضرٍ أخر. كان يُعلِّمُنا ليس فقط ما بالمناهج، ولكن يعطينا أيضًا فكرة عن سوق العمل، وعن كيف سيكون مستقبلنا بعد التخرج، وكيف نتجاوز العقبات التي ستقابلنا في حياة ما بعد التخرج. لقد درَّس لنا “الترجمة” خلال عامنا الثاني، ومادتيّ “قاعة البحث” و”اللغويات” بالعام الرابع. ولم يكن يبخل علينا بوقت راحته للرد على أسئلتنا واستفسرتنا، حتى وإن لم يكن ضمن محاضرينا في ذلك العام.
  • د/ حنان عبيدي: حقيقةً كانت محاضِرة رائعة، هدفها أن يفهم ويتفاعل الجلوس أمامها، ولا يكونوا فقط حضورٌ كالغياب. تعلمنا معها منذ عامنا الثاني وحتى الرابع كيفية كتابة المقال بشكل صحيح وعملي، وليس فقط نظريًا. هذا بجانب نصائحها في تحسين أسلوب الكتابة والصياغة الإنجليزية. كما درستنا أيضًا “الترجمة” في عامنا الرابع والأخير، وأشرفت على مشروع تخرجنا، والذي كان ترجمةً لمسرحية “الشيطان في خطر” للكاتب المصري/ توفيق الحكيم.
  • د/ إبراهيم الجزار: أستاذ “الصوتيات واللغويات” الذي تعلمنا على يديه في عامنا الثالث.جاءنا ضيف من جامعة المنصورة، لذى لم يبقَ معنا سوى عامٌ واحدٌ فقط. قد يرى البعض أنه شخصٌ غضوب وعصبي في حديثه مع الطلاب، لكن إذا تواصلت معه عن قرب تجده شخصًا طيبًا، يهتم بمصلحة طلابه، ويطلب منهم أن يبذلوا ما في وسعهم حتى يحصلون على أعلى الدرجات، لا أن ينظروا إلى المادة على أنها شيءٌ مستحيل الفهم!!
  • د/ نسرين يوسف: كانت أستاذة متميزة في الأدب الإنجليزي، كما كانت تستغل نقطة تقارب السن بينها وبين الطلاب في التقرب منهم ومساعدتهم على حل مشاكلهم الدراسية، فكثيرًا ما كنت استفسر منها عن أساليبٍ جيدة للمذاكرة والاستذكار وتحسين لغتي الإنجليزية. درسنا على يديها “الترجمة” و”البيئة والسكان وحقوق الإنسان” في عامنا الثالث.
  • د/ صلاح سليمان: على الرغم من أن تعاملنا معه لم يكن لأكثر من نصف عامٍ إلا أننا خلال هذه المدة البسيطة عاشرناه شخصًا طيبًا، كان كثيرًا ما يشجعني على الاستمرار في الدراسة، فكنت -أنا وزملائي- إن وجدنا صعوبة في المنهج نذهب لنسأله أن يخفف من المحتوى ولو شيئًا قليلًا، فكان يرد علينا: ”أما أنتوا -الطلاب المتفوقين- تقولوا كدة، أُمَّال الناس التاني اللي ما بتذاكرش وما بتحضرش من الأساس يقولوا إيه؟ المفروض أنتوا تدرسوا أكتر من كدة، ما يبقاش زيّكم زيهم!!!“. كما عاهدناه رجل المفاجئات، فحتى قُبَيل امتحان مادته بيومٍ كان يجري تعديلاتٍ في المنهج!! درسنا معه مادتيَّ “الحضارة” و”المقال” خلال الفصل الدراسي الثاني، بالعام الرابع.
  • د/ إبراهيم المغرَبي: ذكرته أخر الكل وهو أولهم ليكون حسن ختامٍ. هو الدكتور/ إبراهيم محمد مغربي (رحمه الله). خلال عاميَّ الأوليين، سمعت من بعض -وليس كل- طلابه أنه شخصٌ لا يجيد الشرح ولا تستطيع حتى أن تسمع صوته (نظرًا لكِبر سنِّهِ)، كما لا يترك أحدهم ينجح فيه مادتيه (القصة والنثر؛ والحضارة) بتقديرٍ عالٍ، إلا أنني وجدت العكس تمامًا بعدما التقيت به في العام الثالث، لقد كان شخصًا موسوعيًّا بكل ما تعنيه الكلمة، تجده يتحدث عن بعض الأمور من واقع تجربة، فلم يكن يكتفي بالمنهج فقط للشرح، بل يحكي لنا عن وقائع شاهدها بعينه خلال سنين عمره الطوال، فليس من سمع كمن رأى وعاش. كان يعاملنا كأبٍ لأبناءه، وليس معلمٍ لتلاميذه. كان يريد أن يرسخ فينا مبادئ هامة، كحب العلم واحترام الأخر. قال يومًا وهو في حاجة غاضبة من الاستهتار الذي أبداه الطلاب وهم جلوسٌ أمامه: ”وقت المحاضرة هو وقتٌ مقدس“. أذكر يومًا كان في قمة المرض فعندما دخل المحاضرة، قال: ”قالوا لي -أي الإداريين- أني أرتاح عشان ظروفي الصحية، بس أنا قلت لهم إن راحتي في عملي، وأنا بائدي واجبي. وعلاجي إني أنزل شغلي“. سألته مرةً عن موضوع التقديرات السيئة في الامتحانات، فرد قائلًا: ”أنا يفرحني إن الكل ينجح، بس مش بدِّي تقدير غير للي يستحق، اللي ألاقيه كاتب الإجابة المظبوطة، مش أي حد كاتب أي حاجة ويبقى عايز تقدير“. درسنا على يديه “القصة والنثر” خلال العام الثالث والرابع؛ ومادة “الحضارة” في العام الثالث، إلا أن حالته المرضية ازدادت سوءًا في العام الرابع، في الفصل الدراسي الثاني، فارقته المنية قبل أن يختم عامنا الدراسي الأخير معنا. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

وإلى هنا، تكون قد انتهت مغامراتي في معهد المعارف. وفي النهاية، أحب أن أشكر كل شخصٍ شاركني هذه الرحلة، بل المغامرة، الطويلة بحلوها ومرها، من أساتذةٍ وأصدقاءٍ، وحتى الزملاء الذين لم يتثنى لي شرف التعرف عليهم خلال هذه الفترة غير القصيرة. مؤكد أن هذه الأعوام الأربعة ليست كل شيء، فادعوا الله ألا تنقطع صلتنا ببعضٍ إلى الأبد.

بلوحة مفاتيح/ بيتر سامي

31 مايو 2017م

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s