عالم بلا ترجمة

هل تخيلت نفسك يومًا وأنتَ تشاهد فيلمًا تحبه لكن بلغة غير مفهومة وظللتَ تبحثُ عن نَصِّ الفيلم بلُغتِك، ولم تجد؟ هل تخيلت مريضًا -عفانا الَّله جميعًا- ذهب ليشترِ دواءً وبحث في علبة الدواء عن نشرة الاستخدام فوجدها بلغة مبهمة، فظل مُعلَقًا لا يدري إن كان يأخذه ليتعافى، أم يتركه كي لا يُلحِق بنفسه الضرر أشد؟ هل تخيلت نفسك يومًا وأنتَ في سفارة بلدٍ ما وطلبوا منك ترجمة ورقةٍ ما فبحثت عن من يترجمها لك ولم تجد، وبعدما تعبت كل التعب حتى تحصل على تأشيرة هذه البلد، فيرفضوك؟ حسنًا، هل تخيلت يومًا العالم بلا ترجمة؟

مفهوم الترجمة:

قبل البدء في أي شئ دعونا نعرف أولًا: ما هي الترجمة؟ أجمع الكثيرون على أن الترجمة هي نقل روح (معنى) النص من لُغةٍ (وتُسمىَ اللغة المصدر) إلى لغة أخرى (وتسمى اللغة الهدف). وبدون أي مبالغة، هذه العملية قد تكون أكثر صعوبةً وتعقديًا مما يعتقد الكثيرون ممن يستخفون بمهنة الترجمة. فبمجرد حدوث أي خطأ أو خلل بالمعنى قد يقلب الدنيا رأسًا على عقب. مثلًا: قام مترجم بترجمة نص قانوني يثبت براءة متهمٍ في قضية، ولكنه -وبدون فهم للنص- قلب المعنى ليصل بالمتهم (البريء) إلى حبل المشنقة!!!

هل هذا مثالٌ صعب؟ حسنًا، دعني أضرب لك مثلًا أخر أكثر سهولة: مترجم قام بترجمة عمل أدبي معين، فتناوله القارئ وفوجئ بكمٍّ ليس بقليل من الأخطاء اللُّغوية، بجانب ركاكة المعنى والتعبير! هذا اﻷمر كفيلٌ بأن يجعله ينفر من قراءة هذا العمل بسبب الملل الذي لحق به من كثرة الأخطاء والركاكة في الأسلوب. بل، قد يصل الأمر إلى تشويه سمعة المترجم. إذًا، الأمر ليس بالشيء اليسير!

الترجمة في تاريخ العرب:

بحسب الكثير من المصادر فإن ازدهار -إن لم يكن بدأ- حركة الترجمة في العالم العربي كانت في عهد الخليفة الأموي خالد بن يزيد بن معاوية (حكيم آل مروان)، والذي اهتم بنقل علوم الإغريق والسريان إلى العربية. وأخذت الترجمة ترتقي وتزدهر في العصر العباسي، والذي كان نقلة كبيرة للعرب في كل المجالات. ونذكر العديد من الأسماء اللامعة في هذا العصر، مثل: الشاعر العظيم أبو الطيب المتنبي، والنحوي الشهير ابن جني، والمترجم الكبير حنين بن اسحق والذي ترجم 95 كتابًا من اليونانية إلى السريانية، ونقل منهم 39 كتابًا فقط إلى العربية.

ومع ذلك يغفُل العديد من العرب في العصر الحالي لهذا الأمر وذلك التاريخ العريق للترجمة في تاريخ العرب. لذا، فقد اخترت كتابة مقالي هذا بالعربية، لإيضاح ما غفل عنه الكثيرون في أمر الترجمة.

ولكي نتعرف أكثر عن تاريخ الترجمة عند العرب، أنصحكم بمشاهدة هذا الحلقة من برنامج “المنارة” على القناة الكويتية الأولى:

معاناة مترجم:

ما جعلني أيضًا أكتب هذا المقال هو تذكري بعض المواقف والأحاديث التي دارت بيني وبين بعض الأصدقاء بخصوص الترجمة. فكثيرًا ما سوئلت عن رغبتي وماذا أريد أن أكون بعد التخرج؟ ما هي مهنة المستقبل؟ كما أتذكر سخرية البعض بعد سماع كلمة ’مترجم‘! وكثيرًا ما سمعت البعض يقول: ”وماذا يفعل المترجم سوى الجلوس أمام الورقة وكتابة ما في هذا النص بلغة غير ما كتبت به؟“ أو: ”لا حاجة للمترجم في حال وجود محرك ترجمة جوجل!“

تُرى، ما الذي جعل مستوى هذه المهنة ينحدر إلى هذه الدرجة؟ ما العيب فيما قلت حتى يظن الناس أنني أهزي؟ أم أن صنعة الترجمة أصبحت لا تؤتِ ثمارها؟ وهل أضحى الأمر بهذه السهولة؟ نعم، الأمر أصبح هكذا بعدما أنضم للمجال من هم ليسوا كُفئًا للعمل به. وبسبب عبث الهواة بالأمر لحقت بسمعة الترجمة في عالمنا العربي -ومصر بالأخص- كل استخفافٍ وهوان. وللأسف، يستهين العديدون بقدر وحق المترجم. ولكن، كيف سيكون العالم بلا ترجمة؟

تخيل العالم بلا ترجمة:

دعنا للحظات نتخيل العالم بلا ترجمة، كيف سيكون الأمر؟ سيفقد من هم يتحدثون بألسن مختلفة التواصل بينهم؛ لذا، سينعدم إرسال البعثات إلى الدول الأخرى لجلب حضارات وعلوم هذه الأمم؛ وبالتالي، سينعدم نقل الثقافات والحضارات؛ وستصبح كل أمة منغلقة على ذاتها. ولن تجد مرجعًا لعِلمٍ تريد أن تتثقف فيه وتلم بجوانبه غير ما أتت به أمتك (هذا إذا كانت وصلت لشيءٍ أصلًا). سوف تفقد القدرة على فهم كل ما هو جديد من حولك (وهذا أيضًا إن وصلت أمة لشيء بدون الترجمة). ولن نرتقي لنعبر حيز العصر الحجري. وسنظل في محلنا دون حراك.

بدون أدنى مبالغة هذا ما كان سيكون عليه العالم دون ترجمة. وفي هذا الصدد، أود مشاركة بعض العبارات التي استخدمتها بعض الفرق العربية التي تعني بترجمة العلوم والمعارف إلى العربية شعارًا لها، مثل:

الدُّخلاء!

ولكن، لا يُعطَى حقٌ لمن لا يستحق. نعم! فعلى كل من يحمل لقب ”مترجم“ أن يعي لهذه المعلومة. فلن ترفع من شأن مهنتك إن لم ترفع من شأن نفسك. فلا تطالب بحقٍ وأنتَ -على سبيل المثال- على غير دراية كافية بقواعد إحدى اللغتين، أو لا تخلو لك جملة من الأخطاء. صحيح، فأي حقٍ ستطلب وأنت غير كُفئٍ لخوض غمار هذا البحر الواسع المسمى ”الترجمة“؟!

هل فُتح الباب على مصرعيه لكل من هبّ ودبّ ليمتهن الترجمة ومن ثمّ يطالب بحقوقه كمترجم، ثم يُكتشَف فيما بعد أنه ذو سمعةٍ سيئةٍ بين عملائه فيجلب العار على معشر المترجمين أجمعين؟! عذرًا، إن كنت من هذه الفئة، فخيرٌ لك أن ترحل بعيدًا عن هذا المجال تاركًا إياه لغيرك من هم على قدرٍ وافرٍ بالعلم والمعرفة التي تجعلهم خير أناس يجعلون من أمتهم خير أمة بين الأمم.

طبعًا لا أدعي الكفاءة والعلم، فلا زلت طالبًا يتلقى العلم، تارة يخطئ، وتارة يتعلم من خطأه فيصيب. وإنما كتبت كلماتي تلك من كثرة ما اسمع من قلة تقديرٍ واحترمٍ لصنعةٍ رَفَعت أممًا إلى أقاصي السماء، وخسفت بمن تناسها الأرض. متمنيًا من الله أن أصبح يومًا مترجمًا ذو علمٍ ومعرفةٍ يجعلاني أهلًا لخوض غمار الترجمة. راجيًا أن تنجلي هذا الغشاوة عن أعين الجهلاء الذين لا يقدرون لدور الترجمة والمترجمون، بل وسائر العلوم الأخرى عامة واللغوية خاصة.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s